قال موقع "بلس أوف أفريقا"، إنه يجب على مصر أن تتنازل عن احتكارها لنهر النيل لصالح العدالة.
وأضاف: "لعقود طويلة، اعتمدت التعليقات السياسية الصادرة من القاهرة على فرضية واحدة عفا عليها الزمن: وهي أن لمصر حقًا مطلقًا في تحديد شروط استخدام المياه في حوض النيل بأكمله".
وأشار إلى أنه على الرغم من أن النهر ينبع من المرتفعات الإثيوبية، ويساهم بأكثر من 85% من إجمالي مياه النيل، فإن الأنظمة المتعاقبة في مصر لا تزال تصوّر التنمية في أعالي النهر على أنها انتهاك دولي، بدلًا من كونها ممارسة طال انتظارها للسيادة الوطنية الأساسية.
معاهدات تعود إلى الحقبة الاستعمارية
وأوضح التقرير أن جوهر حجة القاهرة يكمن في رفضها المستمر الاعتراف بالمبادئ القانونية الأساسية والمنطق السليم فيما يتعلق بمعاهدات المياه التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية.
وأشار إلى أن مطالبة إثيوبيا بالالتزام باتفاقيات لم تكن طرفًا فيها قط، والتي صُممت صراحةً لاستبعادها، أمرٌ عبثيٌّ في جوهره، لافتًا إلى أن الادعاء بأن رفض إثيوبيا لاتفاقيات عامي 1929 و1959 اعتراضٌ تافهٌ ينهار أمام القانون الدولي، ولا سيما المبدأ الأساسي "لا تضر الاتفاقيات ولا تنفع أطرافًا ثالثة".
وذكر أن معاهدة عام 1929 وُقِّعت بين بريطانيا ومصر، بينما جرى التفاوض على اتفاقية عام 1959 بين القاهرة والخرطوم فقط، حيث احتكرتا معًا كامل إنتاج النيل، إذ خُصِّص 55.5 مليار متر مكعب لمصر و18.5 مليار للسودان، دون أي حصة للبلد الذي يُمثِّل أكثر من 85% من تدفق النهر.
وعلى ضوء ذلك، يرى التقرير أنه "لم تكن إثيوبيا مُلزمة قط بترتيبات استعمارية صاغها قوى إمبريالية أجنبية. إن مطالبة دولة ذات سيادة يزيد تعداد سكانها عن 130 مليون نسمة بتقييد مستقبلها الاقتصادي باتفاقيات تم التفاوض عليها في غيابها التام ليس دعوة إلى الشرعية، بل هو محاولة عبثية لفرض استعمار مائي".
وقال إنه "بعيدًا عن انتهاك المعايير الدولية، فإن موقف إثيوبيا يتماشى تمامًا مع القانون الدولي الحديث للمياه، الذي يُلزم بالاستخدام العادل والمعقول للمياه بدلاً من الامتيازات الأحادية والبالية".
اتفاقية عنتيبي
وبحسب تقييم التقرير، "لا يُعدّ اتفاق إطار التعاون لحوض النيل (اتفاقية عنتيبي) انتهاكًا للمعايير الدولية، بل يُمثّل المعيار القانوني الحديث للاستخدام العادل والمعقول. ومن خلال تفعيل لجنة متعددة الأطراف تُتيح لجميع دول الحوض صوتًا متساويًا، تُرسّخ دول المنبع نظامًا شفافًا قائمًا على القواعد، يستبدل الامتيازات التاريخية بالحكم المشترك".
وقال التقرير: "أظهرت إثيوبيا، خلال مراحل ملء سد النهضة الإثيوبي المتعددة، انضباطًا فنيًا ملحوظًا، حيث حرصت على توقيت العمليات بدقة متناهية بما يتناسب مع هطول الأمطار الموسمية لضمان استمرار تدفق المياه إلى المناطق الواقعة أسفل السد بشكل ثابت".
وتابع: "وبدلاً من التسبب في كارثة، ساهم السد بفعالية في تنظيم تدفقات الأنهار، مما خفف من حدة الفيضانات الشديدة، وساهم في استقرار مستويات المياه خلال فترات الجفاف، وقلل بشكل كبير من تراكم الطمي في المناطق المجاورة الواقعة أسفل السد".
السدود الضخمة في أعالي النيل
ورأى التقرير أن "الادعاء بأنّ السدود الضخمة في أعالي الأنهار، مثل سد النهضة الإثيوبي، تُمثّل تهديدًا وجوديًا لدول المصب، يُسيء فهم جوهر الفيزياء الأساسية للبنية التحتية الكهرومائية. فتوليد الطاقة الكهرومائية عملية غير استهلاكية بطبيعتها؛ إذ لا يتم امتصاص المياه، أو تحويلها للزراعة، أو إزالتها نهائيًا من نظام النهر، بل يتم توجيهها عبر التوربينات لتوليد الكهرباء قبل أن تعود نظيفة إلى المجرى لتتدفق نحو دول المصب مثل السودان ومصر".
وأوضح، أنه "بينما تتطلب مرحلة التخزين الأولية إدارة دقيقة للجدول الزمني، فإنّ السد الكهرومائي، بمجرد تشغيله، يعمل كمنظم لتدفق المياه لا كحاجز".
وفي هذا الإطار، عدد التقرير مزايا تشييد السد، إذ إنه بدلاً من التسبب في ندرة المياه، تُخفف عمليات إطلاق المياه المنظمة من الخزانات الواقعة في أعالي الأنهار من حدة الفيضانات الموسمية المدمرة، وتحجز الرواسب الثقيلة التي قد تُعيق البنية التحتية في المصب، وتضمن إمدادًا ثابتًا وموثوقًا بالمياه على مدار العام.
وأشار إلى أن تصوير مشاريع الطاقة غير الاستهلاكية في أعالي الأنهار على أنها أزمة وجودية يتجاهل أساسيات علم المياه، ويغفل كيف يُعزز التخزين الاستراتيجي للمياه القدرة على التكيف مع تغير المناخ على المدى الطويل، ويعزز أمن الطاقة في أحواض الأنهار بأكملها.
وأوضح أنه على الرغم من هذه الحقائق الهيدرولوجية التي لا جدال فيها، دأبت القاهرة على رفض الحوار البنّاء والجاد. وقد أظهرت إثيوبيا مرارًا وتكرارًا استعدادًا راسخًا للتفاوض بحسن نية مع جميع الأطراف المعنية، ولا سيما مصر، سعياً إلى حلول مُرضية للطرفين تستند إلى العلم والقانون الدولي. ومع ذلك، فقد واجهت هذه الجهود باستمرار جداراً من التعطيل.
حقيقة الرفض المصري
وفقًا للتقرير، "ينبع هذا الرفض من حقيقة جوهرية: معارضة القاهرة لا تتعلق في الواقع بحجم المياه أو السلامة التقنية في النهر، بل هي مدفوعة برغبة عميقة لدى الأنظمة المصرية المتعاقبة في الحفاظ على هيمنة مطلقة على المنطقة في جميع الجوانب السياسية والاقتصادية".
وقال إنه "في ظل هذه الحسابات الاستراتيجية البالية، لا يُنظر إلى إثيوبيا القوية والمكتفية ذاتيًا والمزدهرة اقتصاديًا كشريك إقليمي، بل كتهديد مباشر لأحلام الهيمنة الإقليمية الكاملة التي طالما راودت هذه الأنظمة".
وخلص التقرير إلى أنه "من خلال الانخراط في مفاوضات نزيهة، وتبني اتفاقية الإطار الىعاوني، والاندماج مع شبكة الطاقة الإقليمية المتنامية، تستطيع الدول المجاورة تحويل الجغرافيا السياسية المائية التاريخية إلى انتصار اقتصادي مشترك".
وأشار إلى أنه "لا يزال التزام إثيوبيا بتجنب الضرر مع ضمان تنميتها ثابتًا، وقد انتهى عهد هيمنة دولة واحدة على النيل نهائيًا. ولن يتحقق الأمن في المصب بمحاولة عرقلة تقدم إثيوبيا، بل بتبني مستقبل تعاوني قائم على الاحترام المتبادل، والاستخدام العادل، والازدهار المشترك".
https://pulseofafrica.info/opinion/179

